الأمير الحسين بن بدر الدين

181

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

ومما يدل على أن القدرية هم المجبرة إجماع الصحابة ( رض ) على ذلك ، وإجماعهم حجة . ولو لم يكن في ذلك إلّا ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام لكفى ، فإنه روي أنه عليه السّلام لمّا انصرف من صفّين قام إليه شيخ فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره ؟ فقال : والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما قطعنا واديا ولا علونا تلعة ولا وطئنا موطئا إلا بقضاء من الله تعالى وقدر . فقال الشيخ : عند الله أحتسب عنائي ومسيري ، والله ما أرى لي من الأجر شيئا ، فقال : بلى قد عظّم الله لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليها مضطرين . فقال الشيخ : وكيف يكون ذلك والقضاء والقدر اللذان ساقانا ، وعنهما كان مسيرنا ؟ فقال أمير المؤمنين : لعلّك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما ؟ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، والأمر من الله والنّهي ، ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن ، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسئ ، ولا المذنب كان أولى بعقوبة الذّنب من المحسن . تلك مقالة إخوان الشياطين « 1 » ، وعبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وشهود الزور ، وأهل العمى والفجور ، وهم قدرية هذه الأمّة ، ومجوسها . إنّ الله تعالى أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا ، وكلف يسيرا ، ولم « 2 » يكلّف مجبرا ، ولا بعث الأنبياء عبثا ، ولا أرى عجائب الآيات باطلا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ ص 27 ] . فقال الشيخ : ما القضاء والقدر اللّذان ما وطئنا موطئا إلا بهما ؟ فقال علي عليه السّلام : الأمر من الله والحكم ، ثم تلى قول الله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ

--> ( 1 ) في ( ب ) ، ( ج ) و ( د ) : الشيطان . ( 2 ) في ( أ ) : لم .